الشيخ محمد رشيد رضا

462

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مؤثرا في نفوسهم ، فمن طال عليه أمد التقليد ، حجب عقله عن نور الدليل ، حتى لا يجد اليه من سبيل ، ومن طال عليه عهد الفسوق والعصيان ، حجب عن أسباب الغفران ، وهي التي بينها تعالى في قوله « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » وقوله حكاية لدعاء الملائكة واستغفارهم للمؤمنين « رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ » وغير ذلك من الآيات . وقد بينا مرارا أن المغفرة عبارة عن محو أثر الذنب من النفس بتأثير التوبة والعمل الصالح الذي يضاد أثره أثر ذلك الذنب وهو الذي يدل عليه قوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ والقرآن يفسر بعضه بعضا . ولا تدل الآية على أن هؤلاء إذا آمنوا ايمانا صحيحا لا يقبل منهم بل يقبل قطعا ، وقد روي عن قتادة ان المراد بالآية أهل الكتاب - آمن اليهود بالتوراة ثم كفروا وآمن النصارى بالإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا بمحمد ( ص ) وعن ابن زيد ومجاهد انها نزلت في المنافقين ، والأول لا يظهر الا على قول بعضهم ان كفر اليهود الأول كان باتخاذهم العجل وعبادته والثاني كفرهم بالمسيح والثالث الذي ازدادوا به كفرا هو كفرهم بمحمد ( ص ) على أن كثيرا من اليهود قد آمنوا . وأما القول الثاني فهو يظهر فيمن جهروا بالكفر من المنافقين كما يظهر فيمن يدخلون في الاسلام تقليدا لبعض من يثقون بهم ثم يرجعون إلى الكفر لمثل ذلك لأنهم لم يفهموا حقيقة الايمان والاسلام وهكذا فعلوا مرة بعد أخرى ثم رأوا أن الكفر ألصق بنفوسهم لطول أنسهم به وانهماكهم فيه ، * * * بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً الغالب في استعمال البشارة أن تكون في الاخبار بما يسرّ فهي إذا مأخوذة من انبساط بشرة الوجه كما أن السرور مأخوذ من انبساط اساريره ، وعلى هذا يقولون إن استعمالها فيما يسوء - كما هنا - يكون من باب التهكم ، وقيل إن البشارة تستعمل فيما يسر وفيما يسوء استعمالا حقيقيا لان أصلها الاخبار بما يظهر اثره في بشرة الوجه في الانبساط والتمدد ، أو الانقباض والتغضن ، والأليم الشديد الألم . * * * ثم وصف هؤلاء المبشّرين بقوله الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ